اقسام اقطاب
           

الحضور الصوفي في الأندلس والمغرب

ملاحظات في المنهج والتصور


د. الحسن الغشتول - doroob.com

نؤثر الانطلاق في عرض وجهة نظرنا وملاحظاتنا من أمارات ذات صلة بالتصور المنهجي والبعد الفكري اللذين يوجهان أسلوب البحث لدى الدكتور جمال علال البختي واللذين يرسمان للقارئ جملة من الحقائق المؤسسة من جهة أولى والمنتقاة من جهة ثانية



الحضور الصوفي في الأندلس والمغرب
من هذه الأمارات إصرار الباحث على أن يعتمد في عمله منطق المساءلة العلمية والمصارحة الكاشفة. إنه يصر على الخوض في مباحث لطالما بقيت الأبواب فيها موصدة بل إنه ينتقد أولئك الذين يوصدون هذه الأبواب ولا يتجشمون عناء البحث في التصوف من أجل مدارسته والحفر لاستجلاء معادنه. وبما أن جزءا من الكتاب لا ينفك عن البحث في الخصوصية المغربية, فإن الانكباب على دراسة تاريخ التصوف المغربي يبقى عملا لا محيص عنه خصوصا أن المصنفات الصوفية في المغرب متشعبة الفوائد وغنية من حيث قيمها المعرفية والروحية والأدبية.

ولعلنا نميل إلى هذا الرأي الذي ذهب إليه الباحث إذ نرى أن من شروط معرفة كنه الشخصية المغربية اقتحام عوالم الصوفيين بل يكون لزاما على أهل الاختصاص المقتدرين اقتدارا علميا ومنهجيا أن يسعوا إلى استلهام الفضائل واللطائف التي من شأنها أن تعين على استكمال خطوات البناء ضمن مسار تقويمي وإصلاحي فاعل. حتى خبراء التربية وعلم النفس هم مدعوون إلى أن يغوصوا في هذا التراث ليدركوا حقيقة الذاكرة المغربية أي كيف تستجيب هذه الذاكرة لبعض المرموزات وكيف تتفاعل تفاعلا جماليا. والأدباء كذلك ليس بمقدورهم أن ينسجوا أساطيرهم الشعرية ويصوغوا عوالمهم الحكائية المتخيلة نسجا أصيلا ووظيفيا إلى بعد أن يحدثوا حوارا حقيقيا مع ذواتهم الفردية والجماعية. إن منطق القطيعة ليس بوسعه إلا أن يولد نشوزا ثقافيا ومن ثم لن يكون سوى عائق من عوائق الارتقاء والتطور. فلا تجديد إلا من خلال تعقل التراث ومساءلته والاستفادة منه بحال من الأحوال.

توجد أمارة أخرى وهي لا تنفك عن الروح المنهجية للبحث برمته وهي روح تاريخية حيث يتبدى للقارئ شغف الباحث بالمنهج التاريخي الاجتماعي فهو يناقش قضايا تنخرط في صميم المباحث الدينية والعقدية دونما أن يتخلى عن نظرته التي تكمن في الإحاطة بالظواهر التي يرصدها من موقع حركة اجتماعية وتحولات فكرية وتفاعلات مذهبية وسياسية. لهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن نجد هذا الباحث ينتقد الفرضيات الاستشراقية ولا يتورع عن تسميتها بالفرضيات المفتعلة حيث ادعى أصحابها أن التصوف تعبير عن القومية البربرية وأنه إحياء للمعتقدات الوثنية. لذا فمن البديهي أن يعضد الباحث رأيه بآراء النظار الذين ساروا في اتجاه إبطال دعاوي الطرح الاستشراقي المذكور آنفا ومن بين هؤلاء النظار الذين استأنس بهم نذكر عبد الله العروي.

الأمارة الثالثة هي أمارة لا تكاد تفصح عن نفسها إلا على نحو ملتبس وضمني ولكنها على الرغم من تسترها واختفائها تمثل في نظري عصب البحث كله. إنها مكنونة في ثنايا الفصول كلها وقد تواتر التعبير عنها بصيغ مختلفة تنحو جميعها إلى التمهيد لإظهار قيمة التصوف من حيث هو سلوك تهذيبي وممارسة عملية خلقية أو جهادية من جهة أولى ومن حيث هو أعمال ومجاهدات خاضعة للنقد الذي يراعي موازين العقيدة وضوابط الشريعة. ونعني بهذا أن هاجسا مخصوصا يتحول إلى إجراء تحليلي يروم بلوغ حقيقة يمكن أن تسخر تسخيرا عمليا نافعا؛ فمما يستثيرنا هو ذلك السلوك التطبيقي الذي ينم عن مجهود فكري يقربنا من فكرة الإصلاح باعتبارها بنية تنتج عن تراكمات لا يصح تجافيها وتجاهلها.

لقد تناول الدكتور جمال البختي مواضيع خطيرة جدا يثار حولها جدل كبير وانساق قاصدا إلى الإحاطة ببعض آراء المتصوفة ذوي المنزع الإشراقي أو التأملي الباطني لكن مقصده حسب تقديرنا يكمن في الإشارة إلى أن التصوف المغربي كان براء من الشوائب والزلات العقدية التي نسبت إلى أمثال ابن مسرة والرعيني وابن قسي وغيرهم. وهنا نثير السؤال الآتي فنقول : هل يعني هذا أن المغرب كان مؤهلا تأهيلا تاريخيا لإسلام صحيح باعتبار أن بيئته تساهم في منح أفرادها قدرا من التمنع والاستحصان غير يسير؟ ثم كيف يمكن للمناعة والحصانة أن يحاطا بما يضمن استمرارهما استقبالا. أليس الأمر موقوفا على إيجاد أجوبة لكل أسئلة الفكر التي تثار في عالم مفتوح أكثر من ذي قبل؟

وبعد فقد كان الباحث واقعيا في حكمه لما انطلق من التاريخ, فلا يجادل اثنان في أن التجارب التي تعاقبت في المغرب وتراكمت فيه جعلت الشخصية المغربية أقرب إلى تربية الروح وتعميق التوحيد وإصلاح المجتمع.(انظر هذا مثلا في الحضور الصوفي - ص 76).
من أجل ذلك لا يستسيغ الباحث النظر إلى المتصوفة بوصفهم يمثلون طبقة واحدة, فيبطل بهذا ـ وفي حدود نسبية ـ معيار التجانس الصوفي. فالتصوف خاضع إلى البيئة وإلى عوامل التاريخ والحضارة وطبيعة العمران. والطريف في هذا هو أن علماء الإسلام وفقهاء الأمة كانوا على دراية عميقة بهذه الخصوصية الاجتماعية والبيئية للتصوف, فابن العربي مثلا رغم تشدده في متابعة البدع ورغم مؤاخذاته للغزالي قد أبى إلا أن يشهد على براءة التصوف في المغرب مما علق بالفكر الصوفي الإسلامي مؤكدا على القيمة الخلقية في هذه التجربة الصوفية المغربية.

يستنتج من رسالة الباحث أن التصوف كان عنوانا لحركة دينية وأخلاقية ولم يكن عنوانا لإسلام ثقافي تتحكم فيه نوازع فلسفية ومقاسات عقلية أو أبنية منطقية. وقبل هذا وذاك فهو قريب من أجواء الصراعات السياسية التي ترجح بمقتضاها كفة على كفة أخرى. بل هو جزء من مجريات هذا الصراع نفسه.

وبعبارة أخرى نقول إن لهذا البحث أفقا ذهنيا يتاح فيه للدارس و للمتأول للنصوص الصوفية أن يؤسسا وجهات نظرهما في نطاقات متخصصة ومستقلة استقلالا نسبيا ملحوظا. لكن مما لا شك فيه أن الدرس والتأويل لن يؤتيا أكلهما إلا إذا حملا بين أطوائهما ما ينم عن وجود خيط صقيل يؤلف بين حال الظواهر المرعية ومآلها. ولنا في هذه الصدد أن نستحضر هذا العمل الذي نحن بصدد قراءته فنتصور صاحبه قد هم منذ البداية بالحسم في اختيار طريقه. أخذا بعين الاعتبار كون النظرة الأصيلة إلى التصوف تقتضي قدرا من الانفصال بين الذات والموضوع. لقد كان من الممكن إذن أن يطالعنا الباحث بتعريف للتصوف من داخل نسق التصوف لكن في هذه الحالة سيوجه إليه اعتراض وهو أن اللغة التي تصر على نقل حرارة التجربة يتعذر عليها أن تبقى لغة عادية فهي تفرط ولا شك في شرطها الاجتماعي وطابعها التواصلي المباشر. لا بد أن تغدو مثار غموض واستشكال. لهذا فإن النبذ والطرد والصلب والتكفير إن هي إلا حتميات يقتضيها منطق المجتمع خاصة ذلك المجتمع الذي لا يبدي استعدادا لتمثل أحوال المتصوفة واستحضار مقاماتهم وتصديق مقولاتهم. ثم إننا نرى كيف يبقى تفسير الأدب بالأدب فقيرا وغير مقنع. كذلك فإن تفسير الأسطورة بالأسطورة يبقى عملا لا طائل من ورائه. وما ينطبق على الأسطورة والأدب ينطبق أيضا على التصوف, فلابد من فحص الظاهرة الصوفية والوقوف عند مشخصاتها وعللها والسعي نحو الظفر بالقوانين المفسرة لنشاطها وطبيعة تشكلها.

إن ما يرسخ في ذهننا عن حال اللغة وعجزها وعن مجافاة الباحث لطريقة اقتفاء أوهامها واستيهاماتها, يقودنا إلى افتراض طريق ثان اختاره هذا الباحث, وهو الطريق الذي ينم عن مجهود غير متكشف تكشفا بائنا. إن الباحث يسير في اتجاه الكشف عن الطاقة القوية التي يمتلكها التصوف إما فاضحا للانحرافات والزيغ, وإما محفزا للهمم من أجل التعبد الصادق أو الجهاد في سبيل الله. لكن ربما ترتسم ظلال هذا الموقف على نحو من الوضوح لما نقف عند خفايا الحرب التي شنها المرابطون والموحدون على التصوف.

إن أفق هذه الرسالة هو أن يعرف التصوف استنادا إلى مبدإ التقييد بالحيثيات على الشاكلة الآتية :
إن التصوف من حيث هو سلوك سني أو تعبد غير متلبس بالبدع لا يمكن أن يكون إلا طاقة اجتماعية وروحية خلاقة.

لكن الذي لا يمكن إغفاله هو أن تعريفا آخر قد يقع في النفوس موقعا غائرا وهو أن التصوف من حيث هو أشكال طرقية وتجليات وهمية وبدع في الدين إن هو إلا هرب أهوج من الواقع وانكفاء على الذات وتسريب ثقافي لفكر دخيل بغرض الإزراء والهدم. هذا هو التصوف المزيف الذي تصدى له ابن خمير السبتي حيث وقف عند ظاهرة ادعاء الكرامات < < وقد أجمع المحققون أن الكرامة لا تثبت إلا بعد الاستقامة التي لا تحصل إلا بمقدمة العلم الذي لا يحصل إلا بالنظر والاستدلال>> )انظر الحضور الصوفي ص130(إن التصدي للمنهج الإشراقي لا يمكن فهمه إلا في نطاق السعي نحو إقامة مشروع نظري معرفي لموقف ديني سني. إن المنهج الكشفي الذي تقوم عليه الفلسفة الباطنية يعارض ثوابت الدين نفسه ذلك أن القرآن يدعو إلى التعقل والتدبر, فكيف لأهل التصوف الغالي أن ينكروا ما أثبته القرآن.؟ )الحضور الصوفي 129(
إن التعريف السلبي للتصوف هو مما يسعى ابن خمير إلى نسفه ونقض معناه ومبناه خصوصا إذا كان ممسوسا بروح باطنية عمادها ترفع أصحابها عن الالتزام بقواعد الشريعة.

لكن إذا حصل العكس وسلمنا بصحة التعريف الأول بل إذا رسخ ونزل منزلة القاعدة القابلة للتمثل فستبدو الشوائب عند متمثليها مجرد أعراض لا تمس الجوهر وحتى الزلات العقدية يمكن أن ينظر إليها من منظار معين باعتبارها هنات ليس إلا خصوصا أنها لم تصدر ممن ثبت عنه الإشراك والمروق عن الدين



أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام