أمير المؤمنين يترأس اليوم حفلا دينيا بمناسبة الذكرى 12 لوفاة جلالة المغفور له الحسن الثانيأعلنت وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، سيترأس اليوم الاثنين، بضريح محمد الخامس بالرباط، حفلا دينيا بمناسبة حلول الذكرى الثانية عشرة لوفاة جلالة المغفور له الحسن
طالع أيضا بأقطاب
وقال بلاغ وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة بهذا الخصوص: "تعلن وزارة القصور الملكية والتشريفات والأوسمة أن أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، سيترأس جلالته أعزه الله بضريح محمد الخامس، الحفل الديني، الذي سيقام بمناسبة حلول الذكرى الثانية عشرة لوفاة فقيد المغرب العظيم، جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، وذلك اليوم الاثنين 9 ربيع الثاني 1432 هـ موافق 14 مارس2011 م. وستتلى بهذه المناسبة آيات بينات من الذكر الحكيم، يليها إنشاد أمداح نبوية والختم والدعاء لسيدنا نصره الله.
وسيبث هذا الحفل الديني مباشرة على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة، ابتداء من الساعة السابعة من مساء اليوم". ويأتي تخليد الشعب المغربي لهذه الذكرى، استحضارا لجهاد ملك عظيم، اعتبر بحق "الملك الموحد الباني"، إذ يعود لعبقريته السياسية، على مدى 38 سنة من الحكم، فضل كبير في استكمال الوحدة الترابية، وبناء المغرب الحديث، وكان باعث النهضة الوطنية على مختلف الأصعدة، وداعية السلام والحوار بين الثقافات على المستوى الدولي. الحسن الثاني.. رجل إشكاليات القرن 20 يستحضر الشعب المغربي، اليوم الاثنين، مرور 12 سنة، بالتقويم الهجري، على رحيل المغفور له الملك الحسن الثاني، الذي قاد المغرب 38 سنة، عابرا ببلاده أقوى اللحظات في التاريخ، خلال الحرب الباردة، وانقسام العالم إلى شرق وغرب، وشمال وجنوب، كما تمكن من قيادة سفينة المغرب في أدق المراحل الدولية والإقليمية، التي عرفت صراعات طاحنة بين الإيديولوجيات، فكان الملك المحافظ والمعتدل والمعاصر والمتفتح، وظل بامتياز رجل إشكاليات القرن العشرين، متسما بالصفات، التي تطلبها عصره، جاعلا من مرحلة حكمه قنطرة العبور نحو المغرب الديمقراطي الحداثي، الذي يقوده اليوم وارث سره، جلالة الملك محمد السادس. ولد المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني، (الحسن بن محمد بن يوسف بن الحسن)، في الرباط، في 29 يوليوز 1929، وهو سليل الدوحة العلوية، التي تتحدر من الأسرة النبوية الشريفة. وساهم، رحمه الله، رفقة والده المغفور له الملك محمد الخامس، في تحرير المغرب من الاحتلال الفرنسي. تولى مهام عدة وهو ولي للعهد، ونفي مع والده محمد الخامس من طرف الاستعمار إلى كل من كورسيكا ومدغشقر، وهذا ما ألهب شرارة الانتفاضة الشعبية الكبرى، المعروفة بثورة الملك والشعب، في صيف 1953، التي اندلعت مباشرة بعد نفي العائلة الملكية وتعيين الاستعمار بن عرفة ملكا على المغرب. وكان المغفور له يقود، إلى جانب والده، اتصالات مع المقاومين، وينسق النضال على الجبهة، ويحرر المراسلات والبيانات، حتى عندما كان في المنفى، ما أسفر، بعد مقاومة بطولية للمغرب والمغاربة، عن عودة محمد الخامس وولي عهده الحسن الثاني إلى المغرب، وحصول البلاد على الاستقلال في 18 نونبر عام 1956. درس القانون بالرباط، وحصل على شهادة الدكتوراه في مدينة بوردو الفرنسية، وعرف مساره الفكري تنوعا ثقافيا قل نظيره لدى ملوك ورؤساء الدول، ما جعل الكثيرين يعتبرونه خزانا للمعلومات، ومصدرا للأفكار الجديدة. اعتلى الحسن الثاني العرش في 3 مارس 1961، بعد وفاة والده المغفور له الملك محمد الخامس، يوم 26 فبراير 1961. وعرف بحنكته ودهائه السياسي منذ ريعان شبابه، واستطاع قيادة المغرب بحنكة، رابطا علاقات واسعة بملوك ورؤساء الدول وقادتها، وتمكن، بفضل خبرته، من تحقيق استقرار عجزت دول مجاورة عن تحقيقه إلى حد الآن، سالكا طريق الانخراط في الاتجاه العالمي، بعد أن وضع المغرب على طريق نظام الليبرالية التعددية، في حين، كانت معظم الدول العربية تابعة للمعسكر الاشتراكي، الذي فشل بعد زوال الاتحاد السوفياتي. ويعتبر الحسن الثاني بانيا للمغرب الحديث، وباعث نهضته، وموحدا للبلاد، ومحررا للصحراء المغربية من قبضة الاستعمار الإسباني، بمسيرة خضراء سنة 1975، وهي المسيرة، التي اعتبرت، بشهادة الجميع، معجزة القرن العشرين. عندما دعا المغاربة في 18 أكتوبر إلى تشكيل مسيرة من 350 ألف متطوع ومتطوعة، اجتازوا، في 6 نونبر 1975، الحدود الوهمية، رافعين المصاحف الشريفة والعلم المغربي، ما جعل قوات الاحتلال الإسباني تنسحب من الساقية الحمراء سنة 1975، ومنطقة وادي الذهب، التي استعادها المغرب في 14 غشت 1979. وعرفت فترة حكمه بسنوات التحديث، وكان المغرب في عهده سباقا إلى منح المرأة حقوقا، لم تكن تتمتع بها في دول عربية وإسلامية، وفي عهده اعتلت المرأة سلك القضاء، وتقلدت المناصب السامية في الدولة، ودخلت البرلمان، والمشاركة في الحياة الاقتصادية. على الصعيد السياسي الداخلي، دخلت المملكة في عهده نظام الملكية الدستورية، ووضع أول دستور للبلاد في 1962، الذي عرف تعديلات لاحقة، أهمها في 1970، و1972، و1996. وفي عهده عرف البرلمان أهم المحطات السياسية، في ظل معارضة نشطة، استلمت السلطة في إطار التناوب، بعد أن تولى زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي آنذاك، عبد الرحمن اليوسفي، منصب الوزارة الأولى، في مارس 1998. قام المغفور له الحسن الثاني بمجموعة من المبادرات الإصلاحية، في مجالات التعليم والصحافة، وحقوق الإنسان، وأنشأ مجالس لمتابعة عدد من القضايا والمواضيع، تهم الشأنين الاجتماعي والاقتصادي. وفي عهده انطلقت أكبر عمليات الخوصصة، وجرت استثمارات في مجالات مختلفة. وكان تواقا لبناء مغرب يعتمد على الاكتفاء الذاتي، منطلقا من القاعدة، التي تعتبر المغرب بلدا فلاحيا، ولقبه المغاربة بـ"باني السدود وحامي الحدود"، مدركا، في الآن نفسه، أن نهضة البلاد يجب أن تقوم كذلك على بناء المصانع والمعاهد والطرق والجسور. على صعيد السياسة الخارجية للمغرب، كان المغفور له الحسن الثاني ذائع الصيت، مشكلا قبلة لزعماء الدول العربية والإسلامية وكذا الغربية، وربط علاقات واسعة مع أقطار كثيرة، في سياق العلاقات الثنائية، كما في إطار التنظيمات الدولية والإقليمية، مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ولجنة القدس، التي أنشأها وترأسها، ومجموعة عدم الانحياز، ومنظمة الوحدة الإفريقية، قبل الانسحاب منها، ثم اتحاد المغرب العربي. وفي عهده حظي المغرب بتقارب مع السوق الأوروبية المشتركة، وبعدها مع الاتحاد الأوروبي، وكان أول حاكم عربي من شمال إفريقيا، ومن المنطقة المغاربية، يطالب بانتماء بلده إلى المجموعة الأوروبية، ليحصل على وضعية أقل من عضو وأكثر من شريك. وعرف، أيضا، بدفاعه المستميت عن القضايا العربية والإسلامية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي كرس في سبيلها اتصالات مع الشرق والغرب، للدفع بمنظمة التحرير الفلسطينية، وبزعيمها الراحل، ياسر عرفات، إلى ميدان الاعتراف، وكان دائما ينعتها بالممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. انتقل المغفور له الحسن الثاني إلى عفو الله في 23 يوليوز سنة 1999 إثر نوبة قلبية، في الوقت الذي كان يحضر لمؤتمر عربي، كان يسعى من خلاله إلى تكريس المصالحة بين قادة عرب متخاصمين. من طالب في 'المسيد'إلى أكبر محاور في المنتظم الدولي مسار ملك زاوج بين المعرفة والحكم والحكمة بدأ الملك المغفور له الحسن الثاني مسار حياته بولوج الكتاب القرآني، "المسيد"، ككل طفل مغربي، سالكا سبيل المعرفة، بموازاة مع طريق الحكم، الذي كان بانتظاره، كملك لأعرق الملكيات في التاريخ. دخل المدرسة القرآنية بالقصر الملكي سنة 1934، وتمكن من حفظ القرآن الكريم، وتشرب لغته ومعانيه في سن مبكرة، ثم ولج، بعد ذلك ،أسلاك التعليم العصري، وتوجه بالحصول باستحقاق على شهادة الباكالوريا سنة 1948، وأتم تعليمه الجامعي بتفوق، في مدينة بوردو الفرنسية، حيث حصل على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام، سنة 1951. عايش الحسن الثاني أجواء الحماية المفروضة على المملكة المغربية منذ سنة 1912، وما رافقها من ردود فعل. ونما مولاي الحسن وترعرع في خضم مقاومة المستعمر الفرنسي والإسباني، وتنامي الحس الوطني في كل أنحاء المغرب، فانخرط، منذ نعومة أظافره، في العمل الوطني مع والده، منشغلا بمستقبل الوطن، حريصا على بناء الدولة المغربية، بما يوافق أصالة تاريخها، ويناسب عراقة الأسرة العلوية الشريفة، وبما يساير التطورات، التي جدت خلال فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية (1914- 1918 و1939- 1945)، مستفيدا من التجربة، التي راكمها والتقطها، بنباهة جبل عليها، بملازمة والده خلال معركة التحرير. وكان مولاي الحسن يرافق أباه في أهم الأنشطة الملكية ذات الطابع الثقافي أو الوطني أو السياسي. ومن أهم اللقاءات، التي حضرها، وهو لم يتجاوز بعد سن الرابعة عشرة، اللقاء التاريخي بين فرانلكين روزفلت، الرئيس الأمريكي، ووينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني في أنفا بالدارالبيضاء سنة 1943 في خضم الحرب العالمية الثانية. وشارك مع والده، إلى جانب ممثلي الحركة الوطنية، في تحرير وثيقة المطالبة بالاستقلال سنة 1944، التي قدمت إلى السلطات الفرنسية للمطالبة بالاستقلال. وفي سنة 1947، سافر مولاي الحسن إلى مدينة طنجة، رفقة والده محمد الخامس، الذي ألقى خطابا تاريخيا، أعلن فيه عن تطلع المغاربة، ملكا وشعبا، إلى الحرية والاستقلال، إذ وجه مولاي الحسن، بهذه المناسبة، نداء للشباب المغربي، داعيا إياه إلى الانخراط في العمل الوطني، والإسهام في معركة التحرير. وعلى إثر تصاعد وتيرة العمل الوطني، واشتداد حركة المقاومة بكل أنحاء المغرب، عمدت سلطة الحماية إلى نفي السلطان محمد الخامس وأفراد عائلته، وكان ضمنهم مولاي الحسن، بتاريخ 20 غشت 1953 إلى كورسيكا، ثم إلى مدغشقر سنة 1954. وكان مولاي الحسن المستشار السياسي لوالده، خلال فترة المنفى. وبعد العودة المظفرة للأسرة الملكية، أواخر سنة 1955، شارك الملك الراحل الحسن الثاني وهو في ريعان شبابه، إلى جانب والده الملك محمد الخامس، في المفاوضات، التي أجريت في فبراير 1956 حول استقلال المغرب، وفي السنة نفسها، ومباشرة بعد إعلان الاستقلال، عينه محمد الخامس قائدا عاما للقوات الملكية المسلحة ورئيسا لأركانها. وفي السنة الموالية، أي 1957، أعلن وليا للعهد رسميا، وفي سنة 1960، تقلد منصب وزير الدفاع، وبعد وفاة المغفور له جلالة الملك محمد الخامس، يوم 26 فبراير 1961، جرت مبايعة الملك الحسن الثاني ملكا على المغرب، يوم 3 مارس 1961. ودام حكمه للمغرب 38 سنة، قضاها في بناء دولة عصرية، تتوفر على المؤسسات الضامنة لوحدتها واستقلالها، والهياكل والأجهزة الكفيلة باستمرارها ونموها، وتدبير شؤونها. وكان أول ما أنجزه، في هذا الإطار، وضع دستور، يجعل من المغرب مملكة دستورية، وجرت المصادقة عليه في استفتاء شعبي سنة 1962. وتلته مجموعة من التعديلات والإصلاحات الدستورية، أغنت الحياة السياسية، وطورت الممارسة الديمقراطية بالمغرب، كان آخرها إصلاحات سنة 1996، التي حظيت بإجماع وطني، ومهدت لتقلد أحزاب المعارضة مسؤولية تدبير الشأن العام سنة 1998. بعد توليه العرش يوم 3 مارس 1961، توجه جلالة المغفور له الحسن الثاني إلى إنجازات كبرى على المستويين الاقتصادي والترابي لبناء المغرب المزدهر. ففي مجال استكمال الوحدة الترابية، بادر، في البداية، بفتح مفاوضات مع القوى الفرنسية والإسبانية والأميركية، التي كانت تحتفظ بجيوشها على أرض المغرب. وكان أهم إنجاز في الميدان الاقتصادي هو إصدار الظهير الشريف بتاريخ 2 مارس 1973، الذي وجه لتفعيل مغربة الأطر والقطاعات الحيوية في المجالين الاقتصادي والصناعي. واسترجعت أراض كثيرة من المعمرين، أخضعت في ما بعد إلى الإصلاح الفلاحي. وكان استكمال الوحدة الترابية واستقلال الأراضي المغربية، التي ظلت تحت يد المستعمر، من بين الأولويات، التي شغلت فكر الحسن الثاني ووجدانه، وهكذا عمل، وهو ولي للعهد، على استرجاع إقليم طرفاية إلى حظيرة الوطن، سنة 1958. وفي سنة 1969، جرى تحرير مدينة سيدي إفني. وفي أكتوبر 1975، أعلن عن تنظيم المسيرة الخضراء لتحرير الصحراء المغربية، التي انطلقت في 6 نونبر 1975، عابرة الحدود الوهمية بطريقة سلمية. وكانت ملحمة وطنية لا تضاهى، تحدثت عنها جميع الأوساط السياسية والإعلامية، وطنيا ودوليا. وفي هذا المنحى، اقترح رحمه الله على العاهل الإسباني، الملك خوان كارلوس، إنشاء خلية تفكير للنظر في قضية سبتة ومليلية السليبتين وباقي الأراضي المغربية، التي ما تزال تحت نير الاستعمار الإسباني. وأولى جلالة الملك الحسن الثاني عناية خاصة لتحديث الاقتصاد الوطني، فعمل على هيكلة كل قطاعاته، من أجل الرفع من مردوديتها، خاصة القطاع الفلاحي، الذي يعد ركيزة الاقتصاد الوطني، وأولاه باهتمام خاص، من حيث بناء السدود، واستصلاح الأراضي الزراعية، وتطوير أساليب إنتاجه، من خلال أجهزة مختصة، على رأسها مراكز الاستثمار الفلاحي والتعاونيات الفلاحية، من حيث خلق صناعات تحويلية مرتبطة بالمنتوج الفلاحي، ومن حيث تسويقه في الداخل وفي الخارج، كما أحدث عددا كبيرا من المؤسسات والمكاتب العمومية، للإشراف على مجموعة من القطاعات الاقتصادية والخدماتية. أما على الصعيد الدولي، فكان للمغفور له الملك الحسن الثاني حضور قوي ومتميز، طبعته الحكمة والشجاعة في الحفاظ على المصالح الوطنية والقومية، وفي الدفاع عن القضايا الوطنية والعربية والإسلامية، مبرهنا دائما على أنه رجل دولة يؤمن بالحوار بامتياز كبير، وجاعلا من المملكة المغربية أرض التسامح والتعايش السلمي بين مختلف الديانات والتيارات الفكرية والمعتقدات السياسية، وكذلك أرض اللقاءات الحضارية والثقافية الكبرى. وأقام علاقات وطيدة مع جل أقطاب السياسة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. وكان المغرب من الأعضاء المؤسسين لمجموعة من المنظمات الإقليمية والدولية ومساهما في نجاحها، مثل منظمة الوحدة الإفريقية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، واتحاد المغرب العربي، ولجنة القدس. أما في ما يخص المجال الدولي، فكان المغرب، على عهد الملك الحسن الثاني، قبلة لعدد من الشخصيات العالمية، إذ زاره جل الزعماء والقادة السياسيين، وأقطاب الفكر والإبداع، من كل جهات العالم، فضلا عن استقباله لكثير من الرموز الدينية، كان أهمها استقبال البابا يوحنا بولس الثاني، في مدينة الدارالبيضاء سنة 1985. وكان المغفور له قائدا سياسيا محنكا، استطاع أن يرسي أسس الدولة المغربية الحديثة، وكان، كذلك، رمزا دينيا، وقائدا روحيا، وأميرا للمؤمنين، يزكيه النسب الشريف إلى البيت العلوي، وسعة اطلاعه على أصول الدين الإسلامي ومصادره وعلومه، وكان له الفضل في إحياء مجموعة من السنن الحميدة، التي دأب عليها المسلمون، ومنها تنظيم الدروس الحسنية، التي كانت، وما تزال، محجا لأقطاب الفكر الإسلامي من جميع الأماكن، ومن كل المشارب، ومناسبة للحوار بين جميع المذاهب الإسلامية. ودعم بناء المساجد بكل أنحاء العالم، خاصة في إفريقيا، مثل السينغال، وغيرها من البلاد الإفريقية. كما شجع، أيضا، بناء المساجد بكل أنحاء المملكة المغربية، كان أهمها التحفة الفنية، التي خص بها مدينة الدارالبيضاء، سنة 1986، إذ سيظل مسجد الحسن الثاني بهذه المدينة شاهدا على عبقريته. وأولى الحسن الثاني عناية خاصة لعلماء الأمة، من خلال دعمه رابطة علماء المغرب وإنشاء دار الحديث الحسنية، ومن خلال إحداث هياكل تنظيمية لعمل العلماء، ومدهم بالقنوات اللازمة للتوعية الدينية السليمة. واهتم، في الوقت ذاته، بقطاع التعليم الديني العتيق، وعمل على تشجيع مؤسساته ومساعدتها، وتنظيم عملها. كما اعتنى برجالات التصوف وبالزوايا ومريديها في كل أقاليم المملكة. ووافت المنية جلالة الملك الحسن الثاني يوم الجمعة 23 يوليوز 1999، وشارك في تشييع جنازته قادة وزعماء العالم، وعدد كبير من الشخصيات العالمية، واحتشد المواطنون في مواكب ضخمة لتوديع قائد وطني عظيم، وأحد أبرز قادة العالم العربي والعالم الإسلامي، والقارة الإفريقية والعالم الثالث، وأكثرهم تأثيرا في الأحداث، وإسهاما في الجهود الدولية، من أجل إقرار الأمن والسلم في العالم. ملك سجل فترة حكمه بمحطات تاريخية كبرى ذكرى طيبة مستمرة على لسان المغاربة بعد 12 سنة على وفاته، ما زال المغاربة يذكرون ملكهم الراحل، الحسن الثاني طيب الله ثراه، بصفاته، وتصرفاته، وأقواله، ومبادراته، ولا يترددون في إطلاق ابتسامة عريضة، وهم يرددون عبارته، التي كان يفتتح بها كل خطاباته، "شعبي العزيز". كل الذين عاصروه، تنقلب الذكريات الطيبة عندهم إلى شعور بالأسى والألم، على فراقه، وهم يستحضرون ذكرى وفاته، في 9 ربيع الثاني 1420 هجرية، الموافق لـ 23 يوليوز1999، مشيرين إلى أقوى اللحظات، التي جمعتهم بالملك الراحل، خطبا، وتظاهرات، واستقبالات، وزيارات، ومؤتمرات، فهو الملك الذي تعودوا فيه الابتسامة، واليدين الملوحتين، وقولة "شعبي العزيز". اثنتا عشرة سنة مرت على رحيله، بعد 38 سنة من وجوده على العرش، وقبلها بـ 32 سنة عندما كان وليا للعهد، إلى جانب والده، محرر الأمة، المغفور له محمد الخامس. عمر ملك حافل بالجد والإخلاص، لشعب أخلص له بدوره، في السراء والضراء، ومسيرة عمل، أبدى فيها المغفور له كل ما في وسعه، ليجعل من بلده وشعبه منارة بين الدول والأمم، مسخرا في ذلك حنكة كبيرة، بانيا ومشيدا وداعيا للسلام، امتد صيته عبر المعمور، مثبتا نجاعته في تجاوز أعقد الأزمات، وفي أصعب الفترات، التي عرفها العالم في القرن الماضي. بذكر السدود والمياه والمعاهد والمؤتمرات، والمقابلات الصحفية الرائعة، والوضع العربي، والقمم العالمية، يذكر المغاربة ملكهم الراحل، فهو، بحق، باعث النهضة الوطنية على جميع الأصعدة، وداعية السلام والحوار بين الثقافات على المستوى الدولي. إن جهود الملك الراحل في إرساء دعائم الدولة المغربية الحديثة، التي تنعم بوارف من نعماء الاستقلال والحرية والاستقرار والطمأنينة، لم يوازها إلا حرصه الدؤوب على إشاعة ثقافة السلم والحوار، كآلية لا محيد عنها في تدبير القضايا الدولية، وممر إجباري لتحقيق الازدهار والرقي الإنساني. تمكن المغرب، بفضل سياسة الحسن الثاني الحكيمة، من تحقيق وحدته الترابية، وتثبيت ركائز دولة المؤسسات ودولة الحق والقانون، ما أهله لاحتلال موقع متميز على الساحة الدولية، بل وساهم في إرساء السلم والأمن في بقاع شتى من العالم. عرف الملك الراحل كيف يؤسس لدولة عصرية حديثة، ويرسي قواعد ثقافة السلم في علاقة المملكة بالبلدان الأخرى، كما عرف كيف يشيعها، ويدعو إليها على المستوى الدولي. ويعد الملك الراحل، في هذا الشأن، أحد قادة الدول العظام في القرن الماضي، الذين خلفوا وراءهم إرثا دبلوماسيا ثريا، يشكل استلهام تجلياته على المستوى الوطني والدولي دروسا توجيهية لكل دبلوماسية تنشد حيويتها ونجاحها، عن طريق تكريس مبادئ السلام والوفاق، واستبعاد ما سواها من الوسائل المدمرة. وعلى الصعيد الوطني، جعل جلالة المغفور له الحسن الثاني من المغرب دولة حديثة، فخورة بتراثها وإرثها الحضاري وهويتها الوطنية، ومنفتحة على العصر وعلى محيطها الإقليمي والدولي، فكان جلالته، دون منازع، ملك التحدي، وعاهل المواجهة، لنصرة القضايا المصيرية والقضايا الحقة والعادلة للأمة العربية والإسلامية. وجهت هذه السياسة الحكيمة خطى المغرب نحو استرجاع أقاليمه الصحراوية بطرق سلمية مشروعة، إذ طلب الرأي من محكمة العدل الدولية، وتوخى الحوار مع إسبانيا، ثم وجه المواطنين لاسترداد ما أكدت المحكمة الدولية أنه حق مشروع للمغرب، أثبتته وشائج البيعة المتجددة بين سكان الصحراء وسلاطين وملوك المغرب، لمسيرة سلمية، اعتبرت بحق ملحمة بين قائد محنك وشعب وفي. وشكلت مبادرات المغفور له، وحكمه العالية، ومواقفه المشرفة، وأقواله البليغة "مدرسة حسنية فعلية"، كما سبق وأكد ذلك الأستاذ عبد الحق المريني، مؤرخ المملكة، تعلم في ظلها المغاربة، وغيرهم، دروسا في طلب العلم، وفي التحلي بعظيم الصفات، والتمسك بالتعاليم الإسلامية الصحيحة، والتشبث بالوطنية الحقة 14.03.2011 'المغربية'و(و م ع) وعبد الهادي مزراري
إقرأ المزيـــد
التصوف الإسلامي | نشر | أعلام | المكتبة المرئية | دليل الإمام | راصد أقطاب | المقارن | فقه الحوار | مقالات | أدوات |
|
||
|
.
|
|||
















