اقسام اقطاب
           

أبو الحسن الشاذلي


مركز الامام الجنيد



 هو بحر العلوم، ومظهر السر المختوم، حافظ العهد، وصادق الوعد، درة عِقد العلماء، وحجة الصوفية والأولياء، إنه الصوفي والعالم، مؤسس الطريقة الشاذلية: "أبو الحسن سيدي علي الشاذلي الحسني بن عبد الله بن عبد الجبار بن تميم بن هرمز بن حاتم بن قصي بن يوسف بن يوشع بن ورد بن بطال بن علي بن أحمد بن محمد بن عيسى بن إدريس المبايع له ببلاد المغرب ابن عبد الله بن الحسن المثنى ابن سيد شباب أهل الجنة وسبط خير البرية أبي محمد الحسن بن سيدنا علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين".

  "ولد سنة ﴿591ﮪ-1195م﴾، في بلاد غمارة بريف المغرب، ونشأ في بني زرويل قرب شفشاون، وسكن "شاذلة" قرب تونس فنسب إليها"، لذلك سمي بالشاذلي، جدد وأنشأ معالم طريق أستاذه- القطب مولاي عبد السلام بن مشيش حيث كان لسانه، ووارث سره، ففسر مجمل أسراره، وبسط مختصر وصاياه، فبلور أسس الطريقة وأصولها، وبثّ أنوارها، ليعرفها الخاصة والعامة.

لقد عُرف أبو الحسن الشاذلي بعلو همته وتواضعه، وفصاحة لسانه، وكثرة ذكره، كما عرف بالاعتدال في المأكل والمشرب والملبس، وبالمظهر الحسن إذ يقول :"وأما اللباس اللين، وأكل الطعام الشهي، وشرب الماء البارد، فليس القصد إليه بالذي يوجب العتب من الله، إذا كان معه الشكر لله"، وهذا يبين على أن أبا الحسن الشاذلي، من الناس الذين يحبون أن تظهر نعمة الله عليهم، ليس افتخارا ولا علوا، بل معرفة بالله وشكرا، يقول أبو العزايم :"كان يأخذ زينته عند كل مسجد...ويتحلى دائما بالثياب الحسنة"، وهذا مما يوافق الشريعة ولا يخرج عن دائرة التصوف في نظر أبو الحسن الشاذلي، لأنه جعل الدنيا في يده لا في قلبه، وهذه من أصعب المجاهدات الدنيوية، فهو يعتبر أن منهج طريقه الصوفي ليس "بالرهبانية، ولا بأكل الشعير والنخالة، ولا ببقبقة الصناعة، وإنما هو الصبر على الأوامر، واليقين في الهداية"، مصداقا لقوله تعالى :"قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كَذَ‌ٰلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاٰتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ"

ويضيف الشاذلي قائلا: "لا تسرف بترك الدنيا فتغشاك ظلمتها، أو تنحل أعضاءك لها، فترجع لمعانقتها، بعد الخروج منها بالهمة والفكرة أو الإرادة أو بالحركة... فاعرف الله وكن كيف شئت"، لأن معرفة الله هي حصن المؤمن في الدنيا، ونجاته في الآخرة، حيث أن أكثر الناس خشية ومعرفة بالله، العلماء العارفين، والصوفية المتحققين.

ويقول رضي الله عنه: "من لم يزد بعلمه وعمله افتقارا إلى ربه وتواضعا لخلقه، فهو هالك". وفي المقابل تجده يحث على العمل للآخرة، وعدم نسيانها فيقول :"أربع لا ينفع معهم علم: حب الدنيا ونسيان الآخرة وخوف الفقر وخوف الناس"، ويقول :"إذا أردت الوصول إلى الله تعالى، فاستعن بالله واجلس على بساط الصدق، ومشاهدا ذاكرا له بالحق، واربط قلبك بالعبودية المحضة على سبيل المعرفة، ولازم الشكر والمراقبة والتوجه والاستغفار".

يقول العز بن عبد السلام واصفا الشاذلي: "لقد كان ذا نضج في العلم، ونضج في التفكير، وروحانية في الحديث، وشفافية في البصيرة".

أما شيخ الأزهر عبد الحليم محمود فيقول :"...جاء في طريق القوم بالأسلوب العجيب، والمنهج الغريب الذي جمع بين العلم والحال أو الهمة والمقال، وتخرج بصحبته جماعة من الأكابر وتُلمذ له أعيان كثيرة من أعيان الله تعالى".

  لقد كان الشاذلي "عالما عارفا بالعلوم الظاهرة، جامعا لدقائق فنونها، ...من حديث وتفسير وفقه وأصول ونحو وتصريف ولغة ومعقول، وحكم وآداب، أما علوم المعرفة بالله تعالى، فهو قطب رحاها، وشمس ضحاها". قال عنه الشيخ مكين الدين الأسمر: "الناس يدعون إلى باب الله تعالى، وأبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه، يدخلهم على الله".

إن تذوق الشاذلي لعلم التصوف السني من كأس شيخه وأستاذه، جعله يحافظ على هذه المميزات التي طبعت شخصيته وسلوكه، إضافة إلى معرفته وعلمه الغزير، فقد كان "صوفيا بطبعه وفكره وبأخلاقه وسلوكه وبتربيته وثقافته"

أما مسيرة الشاذلي الروحية، فيمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل، حيث اختار أبو الحسن الهجرة إلى الله عبر سفر روحي طويل، فكان كثير السياحة والتجوال، طالبا بذلك الهمم العوالي، والمقامات العظام، باحثا يسأل عن قطب الزمان، فقصد العراق بلاد الشيوخ والعلماء والصوفية الكبار، فأشار عليه الشيخ أبو الفتح بالرجوع إلى المغرب، حيث التقى بشيخه عبد السلام بن مشيش وبدأت المرحلة الأولى حينها، فقد مكث إلى جواره ما شاء الله أن يمكث، إلى أن ارتوى من فيوضات شيخه الربانية، وأخذ من معرفتة وعلمه، وفتح الله بصيرته، وحينما اكتملت تربيته الروحية، أمره سيدي عبد السلام بن مشيش الذي رسم له منهج طريقه، وخريطة سفره، بالرحيل قائلا : "يا علي ارتحل إلى افريقية، واسكن بها بلدا تسمى بشاذلة: فإن الله عز وجل يسميك الشاذلي، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس، ويؤتي عليك بها من قبل السلطنة، وبعد ذلك تنتقل إلى أرض المشرق وبها ترث القطابة".

ففي بلاد المغرب كانت مرحلة البناء والصقل بصحبة شيخه، ثم بدأت مرحلة ما بعد البناء، وهي مرحلة تمت فيها  التصفية والتنقية في بلدة شاذلة، حيث لجأ إلى مغارة بجبل زغوان فمكث فيه طويلا، قصد التفرغ إلى العبادة والمجاهدة، طالبا الوصول إلى الله، كما فعل شيخه وأستاذه، ثم تلتها المرحلة الثانية: مرحلة العمل بما تعلم، فسافر إلى تونس، موكلا بمهمة الدعوة والإرشاد، فلاقى إقبال كبير، واهتمام شديد من قبل شيوخ ومريدي تلك البلاد، فقد التفوا من حوله، واتبعوا طريقه، مما دب الحقد في قلب ابن البراء، الذي كان فقيها قاضيا للقضاة آنذاك، ولأنه خاف على منصبه وشعبيته، دبر له المكائد والمؤامرات، وكان ذلك ابتلاء من الله، ثم انتقل بعد ذلك إلى الديار المقدسة للحج، مارًا بالإسكندرية، حيث أقام فيها مدة واشتغل بأمور القوم هناك، ثم "رجع الشيخ إلى مدينة تونس واستمر بها هاديا مرشدا وداعيا إلى الله ورسوله"، و بعد ذلك، سافر إلى مصر حيث ارتفع جاهه وكثر مُحبُّوه، فأصبح أشهر من نار على علم، استطاع أن يكسب قلوب العديد من الناس، وأن يبهر الكل بورعه، وبصفاء معرفته، وبروعة مجالس علمه ومناظراته، يقول محمود عبد الحليم: "...وخضع لدعوته أهل المشرق والمغرب قاطبة، وكان يحضر مجلسه أكابر العلماء من أهل عصره، مثل: سيدي الشيخ عز الدين عبد السلام، والشيخ تقي الدين العيد، والشيخ عبد العظيم المنذري..، ولقد كانت إقامته بمصر، فترة استقرار مادي ومعنوي، وكانت فترة خصبة من حيث الدعوة، ومن حيث تربية الرجال"، وهي المرحلة الثالثة والأخيرة، والتي أُكرم فيها بالقطبية، كما أخبره من قبل شيخه عبد السلام بن مشيش.

لقد توهج نور الطريقة الشاذلية بفضل من الله، وبسبب مؤسسها، حيث طالت شهرتها المشرق والمغرب، خاصة أنها بنيت على منهج الكتاب والسنة، وعلى سبعة أسس وهي: التوبة، والاستغفار، والزهد، ومحبة الله سبحانه وتعالى، ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، والخلوة، والذكر، والشيخ المرشد، وعلى أصول يجب على المريد اتباعها نذكر منها: "أن يتقرب إلى الله تعالى بما شرعه وسنَّهُ رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأن تكون عبادته لوجه الله تعالى مخلصا في قوله وعمله دون رياء... وإياه وحب الظهور، فإنه يقسم الظهور وأن يحفظ جوارحه عن المحرمات". وعن طريقه يقول ابن عباد: "طريق الشاذلي مبناها على طلب العلم وكثرة الذكر مع الحضور، وكانت بهذا الاستحضار الذي هو الجمع، أسهل الطرق وأقربها وليس فيها كثير مجاهدة".

ومن أقوال أبو الحسن الشاذلي ووصايا شيخه، نذكر قوله رضي الله عنه :"ارجع عن منازعة ربك تكن موحدا، واعمل بأركان الشرع تكن سنيا، واجمع بينهما تكن متحققا، وعن حقيقة التصوف يقول: "التصوف تدريب النفس على العبودية، وردها لأحكام الربوبية... فالصوفي يرى وجوده كالهباء في الهواء، غير موجود ولا معدوم، حسبما هو عليه في علم الله ".

ويقول أيضا: "ما ثم أعظم من كرامة الإيمان، ومتابعة السنة"، ويقول: "من اكتسب وقام بفرائض الله تعالى، فقد كملت مجاهداته، أما عن التقوى فيقول: لا تقوى لمحب الدنيا، إنما التقوى لمن أعرض عنها، أما حقيقة الذكر عنده فهو :"ما اطمأن بمعناه القلب، وتجلى في حقائق سحائب أنوار سحائب الله، والانقطاع عن الذكر إلى المذكور، وعن كل شيء سواه".

ومن وصايا شيخه له، قوله :" أوصاني أستاذي أن خِفْ من الله خوفا تأمن به من كل شيء... وحدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء، وقريبا من كل شيء، ومحيطا بكل شيء، وقال له أيضا: "الله الله، والناس الناس، نزه لسانك عن ذكرهم، وقلبك عن التماثيل من قبلهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عليك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك، وقد تم ورعك".

هكذا عُرف واشتُهر القطب أبو الحسن الشاذلي بورعه وتصوفه وعلمه وتمسكه بالكتاب والسنة، ووصايا أستاذه، فكان خير أسوة في التصوف السني آنذاك، والمؤسف هو أن نفائس تلك المجالس العلمية والمناظرات والدروس القيمة التي كان يقيمها لم تدون، إلا ما حفظ في الصدور من تلامذته ومؤرخيه، أما الذي كتب في السطور، فقد كانت أحزابا تركها، إضافة إلى وصايا شيخه، فاقت الإثنى عشرة حزبا، منها: "حزب" الإخفاء وحزب النصر وحزب اللطف وحزب البر وهلم جرا.

وافته المنية رضي الله عنه، عام 656ﮪ وورثه في التربية والتوجيه تلميذه أبو العباس المرسي، رحمة الله عليهم جميعا.



أخبار | مقالات | بودكاست | فيديو | دليل الإمام